تقديم وحوار: سعيد بلغربي
مع الفنانة التشكيليةالأمازيغية سعاد شكوتي (أسيتم):
الفنان الأمازيغي في معركة دائمة من أجل إثبات الذات
حاورها: سعيد بلغربي
Amazigh31@hotmail.com
تقديم:
تقول الفنانة الأمازيغيةسعاد شكوتي لو لم أكن أرسم لمارست الرسم أيضا. إصرار وتعنت يتدفق من ذات مبدعة تأصلت في أحضان تربة أمازيغية تعلمت من عبيقها أن الفن رسالة نبيلة، وأن الأمل (أسيتم) علامات يعلق عليها المبدع آخر وصاياه، بين أناملها تصلي الألوان بخشوع صلاوات العشق لأمازيغيتها، وعلى لسانها حسرة ومرارة وهي تتحدث عن مآل الفن والفنان الأمازيغي أمام لعنة الغياب...
سعاد شكوتي(أسيتم) مبدعة أمازيغية الأصل، مغربية الجنسية، من مواليد أواسط فبراير 1976 بمدينة الحسيمة قلب جبال الريف. من أبوين أمازيغيين، الأم من قبيلة آيت بقيوة، بدوار "ثارا ن يوسف Tara n Yusef" بإقليم الحسيمة، الأب من قبيلة آيت توزين، بإقليم الناظور، منطقة ثاغزوث ن تاسا Taghzut n Tasa، إستهواها الفن التشكيلي منذ نعومة أضافرها، لها إهتمامات أخرى، أبرزها ذات علاقة بالثقافة والمجالات الإجتماعية المختلفة بالإضافة إلى هوايتي المطالعة والكتابة، إلا أن الألوان لعبت أدوارا توجيهية في حياتها، ولقد إعتمدت الموهبة والإحساس والعصامية في تعاطيها لهذا الميدان النبيل.
حاولنا أن نمزق عنها حلمها وهدوئها، فكان لنا معها هذا الحوار الشيق:
1ـ بداية، سؤال تقليدي يطرح نفسه دائما بإلحاح، كيف بدأت وإنتعشت قصة مشوارك الفني مع الريشة والألوان؟
♀♀♀♀♀♀♀

السنوات الأولى التي تؤسس لسيرتي الذاتية، لأؤكد من جديد أنني لم ألج عالم الفن من أبواب المؤسسات التعليمية، لا العمومية منها ولا الخاصة، إلا أن مقاعد الدراسة ومقرراتها كشفت لي عن الكوارث التي تتخبط فيها منظومتنا التعليمية، والتي نسجت وفق مميزات غير مميزات شعبي، وبنيات لا تمت بصلة للمحيط والوطن الذي أنتمي إليه، هذا التناقض بدا لي جليا وواضحا في أولى قنوات التواصل، فالنص المدرسي يؤكد ويعيد بأن لغة الضاد هي لغة الحضارة والسمو الروحي، وتأشيرتك لدخول جنان الأرض والسماء. كما أنه يحدثنا عن أجداد ولدوا وترعرعوا في بقاع وأوساط، جعلني عدم تطابقها مع واقعي ومحيطي، أجزم أنها ضروب من الخيال وأن لا وجود لهؤلاء القوم إلا على الأوراق والأذهان المحبة للأوهام. وكما الآلاف من الأجيال، كنت أنا أيضا عنصرا ينتمي إلى جيل تشبع بمقررات مغيبة تماما للمحتوى الأمازيغي.
فأصبحنا قوالب برمجت وجهاتها نحو مختبرات/مؤسسات، تعبأ وتملأ بمعالم وثقافات تستورد من الشرق الأوسط، وأحيانا من بقاع أخرى، نحج إليها وفق برنامج أعد مسبقا يكاد يحترم من قبل صانعيه.
هذه التناقضات نتجت عنها عاهات وأمراض نفسية وسلوكية تختلف من طفل لآخر، لكنها تلتقي في الأعراض والنتائج، من إضطرابات نفسية تضطرك لأن تكون بين ذويك كيانا، شخصا ولسانا يختلف عن الذي كنته ذاك المساء، أو ستكونه هذا الصباح في المدرسة أو الكتاب.
وقد تطرقت في فصل من أوراقي الطفولية، إلى بعض المشاهد من هذه الفترة، وكيف أن هذه الوضعية المكرسة لتعليم وتربية مضروبين، ينمان عن خلل ما في الفلسفة التعليمية التي تتبناها أجهزة بلدنا العزيز، على جميع الأصعدة. فبين عدم التلاؤم بين المعارف التي نتلقاها في المدارس الغير المناسبة لوجودنا كناشئة أمازيغية مغربية، وبين المثاقفة الممارستية التي نفطر عنها في بيوتنا وأوساطنا العائلية، التي ما تفتأ عن إجبارنا على الإنخراط الكلي واللامشروط في العملية التعليمية في تناقض تام، مكرسين لذلك كل سلطانهم الأبوي ، قلت بين هذا وذاك، تصل فورة الضغوطات أقصاها، وتحين اللحظة لتختار أنسب القنوات لتفجر عبرها غضبها، وثورتها وعطاءها المكبوت.
وبما أن الصوت والحركة الجسدية، من بين الأشكال التعبيرية الأكثر متابعة، والتي تصادر دون سابق إنذار، وخصوصا إذا تعلق الأمر بإعلان الرفض والتمرد عن واقع غامض متناقض وخانق، عن وعي أو دونه، وبعد طول تأمل وتمحيص، أدركت بحدس طفولي، أن أصابع اليدين موجهة بنور العين والعقل، يمكن لها أن تصنع عوالم شتى وأشياء جميلة، وأخرى تفرض نفسها، تشد إنتباه الآخر، وتجعله يهتم لها ويأخذ منها، من هنا ستتيقظ لدي حاسة اللمس ورشاقة حركة الأصابع، وستتقوى علاقتهما بالمادة والصورة، حيث تبدأ عملية الإفراز والتسرب لمادة مكونة من عناصر مهضومة وأخرى غير ذلك، فانكببت على الخربشة ثم التخطيط على تراب الأرض، والجدران والطاولات والأوراق إذا توفرت، وذلك في هدوء وتخف كشف عن نفسه بالتدريج، فمن تقليد صور الرسوم المتحركة المذاعة أنذاك وصور الكتب المدرسية، إلى التركيز على العيون وخصوصا المؤنثة منها، وبعدها تخصصت في الوجوه النسائية لفترة طويلة.
هذه كانت البداية، أما الإستمرارية، فقد عرفت طرق ملتوية، متقطعة، ومتشعبة، بعضها ذات مخارج، وأخرى بقيت بها الحمولة عالقة، محبوسة ومعتقلة إلى يومنا هذا.
2ـ لكل فنان طقوسه الخاصة وعالمه السري وهو في مرسمه يغازل ريشته ويداعب ألوانه، هل بإمكانك أن تنقليننا إلى مميزات عالمك هذا؟
♀♀♀♀♀♀♀
فتمنحنا هذه الشروط قوة نفسية وعملية تمكننا من إكتشاف قدراتنا الذاتية، الفكرية منها والإبداعية، ما يجعلنا أكثر إستعدادا للفهم والتحليل وبالتالي العطاء.
"عالمي السري" على حد تعبيرك، هو بالنسبة لي كأرض الميعاد بالنسبة لشعب اليهود، فأن يأتي يوم أمتلك فيه مرسم أو ورش عمل خاص بي، وبالأحرى في مدينتي ومجهز بالأدوات الفنية اللازمة، هو بالنسبة لي ومند زمن، ولحد الآن، حلم أجمل من أن يتحقق!! لست سلبية التفكير ولا أبالغ في هذا الإعتقاد، فمند البدء وأنا أحاول أن أرسو بأمتعتي التقنية وحمولتي الإبداعية على بقعة ما... وبين أسوار تعطي الشرعية والحصانة لاهتماماتي الفنية وميولاتي التشكيلية، فضاء أذيله بيافطة أكتب عليها باللون الأخضر: مرسم أسيتم Axxam n Tazuri n Assitem، إلا أن الظروف لم تسمح لي بذلك، أولا لأن ذلك يخرج على نطاق إمكانياتي المادية المتواضعة، وثانيا لأن حياتي الشخصية عرفت بعض التنقلات الغير المنتظمة بين بيت أبوي وبيت جداي، بحكم أن هذين الأخيرين عهدا بتربيتي مند الأشهر السبعة الأولى من حياتي لظروف معينة...، ومن حينها وأنا أتنقل بين البيتين لفترات مختلفة وعشوائية، حتى أنني أتذكر أنه كنت أحيانا أستيقظ وأنا لست متأكدة بأي البيتين بت الليلة الفارطة، والشيئ الذي أحل به هذه المعضلة، والذي أعتبره أحد العوامل التي جعلت الألوان تلعب دورا هاما في حياتي، هو لون صباغة الحائط. الذي أميز به بأي البيتين أتواجد، بغض النظر عن بعض الفترات التي أمضيتها في مدن أخرى بدافع الدراسة والعمل.
لذا فقد تقاسمت معي لوحاتي الترحال وعدم الإستقرار، مما يجعلها تبدو، أو على الأقل في نظري، دائمة التأهب للسفر من جديد، غير مستقرة، تحلم بآخر لمسة أعمدها بها، فتقريبا كل اللوحات التي رشحتها فيما مضى ولحد الآن للعرض، لم تكتمل بعد. ليس من حيث فكرة الموضوع، ولكن من حيث الصياغة التي ستنال رضاي قبل عرضها على مرأى الآخر.
"عالمي السري" عرف وجوها عدة، وأوضاعا مختلفة... بعضها لا بأس بها والآخر رديء، وأحيانا مأساوي...، وعندما أكاد أقترب من بعض ملامحه التي رسمتها له في مخيلتي، تنتهي مدة صلاحية الإقامة، فأضطر لحزم الحقائب وتكديس الأغراض، فتتبخر الفكرة وتتلاشى التطلعات.
لكن بالرغم من أنني أعجز عن وصف "عالمي السري" الذي تستفسر عنه، ليس لسبب إلا لأنني أنا بنفسي لم أتعرف إليه بعد!!! إلا أن من خلال الفضاءات التي إستطعت أن أرسم بها بعض الوقت، أستطيع أن أعطيك فكرة على طقوسي الخاصة، والتي أكيد أن لها علاقة بصفة وطبيعة تواجدي داخل كل مرسم مرحلي: الفوضى والإضطراب عامل مشترك بدون منازع، الأغراض تتنوع بين ورق وقماش وإطارات وكتب... صباغة مختلفة التراكيب، أنابيب أو غبار... إلخ، أدوات مختلفة بعضها منهجية تباع بالمكتبات وأخرى من تصميمي...، الكتب متراصة في كل مكان، الثقافي منها أكثر من المتخصصة بالفن التشكيلي. أثاث المرسم يفقد وظيفته وطبيعة إستعماله، فتصبح الأرض طاولة، والطاولة مقعدا، وبعض الأجهزة الكهربائية مناضد ورفوف...إلخ، وأول ما سيسترعي إنتباهك هي الصور الفوتوغرافية للوحات عالمية، وأخرى لوجوه من معارفي أو شخصية، خرائط، ملصقات ...إلخ، وعدة لوحات غير مكتملة بعضها على الأرض والآخر معلق بطريقة عشوائية. الموسيقى وفناجين الشاي أو القهوة من بوادر ومؤشرات الحضور الآني النابض.
صورة كارثية توحي بالعبثية والجنون، إلا أن لهذه الأجواء نكهة خاصة، تجعلني أنفصل نهائيا عن أي شيئ آخر غير محتويات المكان والزمان لأرتب أفكاري من جديد وأختار العناصر التي ستكون عماد الإبداع القادم .
سأظل متشبثة بحلمي بعالم سوي يحتضن المكان والظروف المناسبة لمخاض لوحة مميزة، كما سأظل أحلم بالتفرغ التام للإبداع... وأرى على شفتيك طيف ابتسامة ساخرة تهمس: تصبحين على مرسم!
3ـ يقال بأن الفن التشكيلي هو تعبير عن مجموعة من المواضيع والإرهاصات والإنفعالات الشخصية أو الجماعية حيث تؤثثه إطارات من رموز وأشكال... بالنسبة لك كفنانة تشكيلية ماهي المواضيع الأساسية التي تشتغلين عليها؟
♀♀♀♀♀♀♀
الإنسان المبدع عموما والفنان التشكيلي على وجه الخصوص يتمتع بإحساس مرهف، يمكنه من استنباط المعاني والأفكار من رحم الأشياء، وهذا يمدد من بصيرته ويوسع من رأيته، لتشمل الماضي والحاضر والمستقبل بأبعادهم الزمكانية، ومن البديهي أن ينطلق الفنان بركب إبداعاته من أقرب المحطات وأعمقها، حيث الوعي بالذات يمر بمراحل عصيبة، موغلة في التناقض، إبتداء من حالة الدهشة التي يصاحبها التيه والحيرة، ثم إستيعاب و إستنطاق الواقع، وأخيرا محاولة ترميم وبناء الذات والهوية.
هذه المعادلة ذات العناصر المتسلسلة والمركبة، أسقطها على حياة الوجود الإنساني والشخصي للمبدع، وأعتبرها ضرورية وأساسية لمصداقية أي عطاء بشري.
لذا، فالمواضيع المشتغل عليها هي نفسها مند البدء، الفرق والتغيير يبقى على مستوى الشكل وتفاصيل الفكرة، هذا الفرق الذي يبرز حجم وعي الفنان بمرجعياته الثقافية وتشبعه المعرفي والجمالي الذي ينمو وينضج عبر مراحل، وبصيرورة تحددها الإنشغالات والظروف الشخصية التي تطبع كل مبدع.
فأعمالي ليست بأجوبة جاهزة أو مباشرة، بقدر ما هي أسئلة مثيرة عن الوجود الإنساني، والقيم التي من شأنها أن تحدد طبيعة الأوضاع التي يعيشها ككائن بشري. بدءا من التصورات السطحية الساذجة إلى الخلاصات الأكثر عقلانية حول الذات والعالم، وكل ما من شأنه أن يؤثر في الحياة العامة وتقديم أفكار حافزة لعموم الناس تساعدهم على إعادة النظر في خياراتهم.
فأنا أكتشف بعد كل عمل أنني أمثل الأمازيغي إنسانا وكيانا في أعمالي، فمعظم أعمالي تعالج وتناقش الأوضاع العامة لوسطي. متطلعة لمعانقة المواضيع المجتمعية والواقعية على مستوى الكون والبشرية جمعاء، فالفن التشكيلي في نظري كباقي الفنون، عليه أن يعالج كل القضايا الإنسانية، بدءا بالإنسان والمحيط وكل ما له علاقة أو يمكن أن ينتج عن هذه العلاقة الجدلية. وتجربتي تعبير صريح عن رؤيتي للحياة وللعام.
4ـ من خلال هذا، هل تعتقدين أن الفنان الأمازيغي ساهم بشكل واضح في إبراز الملامح الأساسية للقضية الأمازيغية، وكيف تفسرين ذلك؟
♀♀♀♀♀♀♀
لم يساهم الفنان الأمازيغي في إبراز الملامح الأساسية للقضية الأمازيغية
فحسب! بل إعتبرته دائما خير سفير حمل صوت وحقيقة شعبه للجهات الأربع ولأقاصي البلاد، وفي هذا، يستوي الموسيقي والشاعر والكاتب والفنان التشكيلي وألوان أخرى من الفنون. فبالإضافة إلى الموهبة والملكة الإبداعية، يلعب الوسط المنتمى إليه أو المتواجد به بشكل مستمر، وطبيعة الأوضاع السائدة به، دورا رياديا في نوعية المسار الذي يسلكه إبداع الفنان شكلا ومضمونا.
بحيث أن الفنان الأمازيغي، ظل دائما قريبا من معطيات واقعه، بثوابته ومتغيراته، بدءا بالفنون الشعبية والأشكال التراثية، وإنتهاء إلى أحدث وأغرب الأنماط الفنية التي تعرفها البشرية وعصر العولمة. فما الأشكال الفنية إلا تفاصيل وإشارات لحقائق منبثقة ومستوحاة من حياة الشعوب والطقوس الفعلية لكل مجموعة بشرية معينة. فلولا "ميلودة الحسيمية"و "ميمونت نسروان"، أو"سلام الريفي" وآخرين ممن سبقهم أو زامنوهم في التعاطي لنفس النمط من الغناء والأهازيج الشعبية، لما تسنى لفنانينا من الجيل الجديد في الأغنية الريفية أن يعملوا على إحياء تراث هذا المجال، باحثين دائما عن القالب والأوزان الموسيقية الأنسب لهذا العصر، ملتزمين بالحفاظ على الحمولة الثقافية لهذا الموروث مع إضافة لمساتهم الخاصة. فلولا هؤلاء وأمثالهم لما إستطاعت "رالا بويا Ralla Buya " أن تخلد إلى عصرنا هذا، هذه الترنيمة الخالدة التي نفتتح بها كل عرس غنائي، و التي تسكننا وتندفع من أفواهنا متزعمة كل حس مطرب، كيفما كانت إيقاعاته، وأثناء مختلف الطقوس الممارستية للحياة اليومية للإنسان الأمازيغي/الريفي... والتي قال في حقها الفنان الأمازيغي "حفيظ تشينو"Tifridjas :
"ولولا الراحلة المبدعة الخزفية، الأستاذة "ماموش بن عمر"، وكدا قريبتها "ميمونت بن عمر"، المنحدرتين من دوار إدردوشن دائرة تماسينت/جماعة إيمرابطن، قبيلة آيت ورياغل بإقليم الحسيمة، لما إستطعنا أن نستمتع بجمالية فن الخزف الأمازيغي في إحدى أعظم تمظهراته الذي يعد من بين أبهى معالم الحضارة الأمازيغية العريقة.
ويبقى إبداع الفنان الراحل "الشيخ موحند"، أحد أعمدة الأغنية والرقصة الريفية التي تختزل منظور وفلسفة شعب بالكامل. وكذا شأن العديد من الفنانين الأمازيغ على صعيد بلدنا الحبيب المغرب، أو بلاد ثمازغا جميعا، وأذكر على سبيل المثل وليس الحصر، الفنان: "إدير"، والراحل: " لونيس معتوب" والمطربة: " جورجورا"...إلخ .
الساحة الثقافية الفنية الأمازيغية ثرية الآن بمختلف تشعباتها في هذا المجال، على مستوى المنتوج الإبداعي وأيضا نوعية الفنانين الملتزمين بقضيتهم وهويتهم، هؤلاء الذين بلغو درجة من النضج والوعي بصيرورة الحركة الفنية عالميا، فانتزعوا لأنفسهم حق الإعتراف بهم كفنانين، وكتمثيلية في مستوى حضارة شعبهم.
وكل هذا جعل الفنان الأمازيغي في معركة دائمة من أجل إثبات الذات، وإنتزاع الإعتراف بشرعية الوجود، فهو يحمل على عاتقه مسؤولية عظيمة وجسيمة سخر لها كل ما أوتي من مواهب وكل ما إكتسبه من تقنيات وحيل. ودائم البحث عن الوسائل الكفيلة لتحقيق ذلك، فقبل أن تكون المصوغات الإبداعية نشر للوعي بالهوية الأمازيغية، ودعوة للعودة للجذور الوطنية، فهي تأريخ لأمة بأكملها.
5ـ يلاحظ في بعض أعمالك الفنية طغيان الطبيعة المؤنثة من خلال تأنيث مواضيعها، هل يعني هذا أن لوحاتك تحمل رسائل مشفرة تودين من خلالها التمرد بشكل فني على الطبيعة الذكورية للمجتمع الأمازيغي؟
♀♀♀♀♀♀♀
لا ريب من أهمية الدور الذي تقلدته المرأة في حياة سائر مجتمعات البسيطة، سواء على المستوى الوظيفي أو المعنوي، وحتى الجمالي، باعتبارها كائن جدير بتجسيد قيم إنسانية وجمالية، تختزل في القدرة على العطاء والصبر والمحبة. لكن هذه المميزات المشتركة لهذا الكيان البشري، لم يمنع من أن تختلف أوضاعه من مجتمع لآخر، ومن نسق تفكير لآخر مغاير، فهي كانت دائما الزوجة والأم، الأخت والإبنة.
تعتبر الحضارة الأمازيغية في بلاد المغرب، قبل دخول الإسلام وفي الأزمان الغابرة، من بين أبرز الحضارات التي مجدت المرأة وأخصتها بمكانة جوهرية في النسق الأسري، وكذا في المؤسسات الإجتماعية الأخرى، لما أبدته من دأب وحنكة فطرية في جميع أمور الحياة، فساهمت إلى جانب الرجل، في الأنشطة الإقتصادية والإجتماعية، وكذا الروحية والسياسية. ولعل سيرة وأمجاد الملكة الأمازيغية "ديهيا"، أفضل دليل على الدور الأساسي والحضاري التي خصصته هذه الأمة للمرأة. كما كانت هذه الأخيرة، عماد كل أسرة باعتبارها مؤسسة إجتماعية تمثل نواة مجتمع أميسي، مجد المرأة ونسب إليها كل القيم المشرفة.
إلا أن هذه المكانة العظيمة للمرأة ستنحط، ومعها كل المكتسبات القيمة، مع دخول... الإسلام للمغرب وما رافق ذلك من أطماع ونوايا إمبريالية شاملة، مست حتى الهوية والجذور، لتتوارى المرأة في الكواليس وثكنات الحريم، وتنسب كل أدوارها الإيجابية والمحتكرة من طرف الرجل إليه هو. فحتى بعض الإستثناءات التي عرفتها الساحة السياسية، فإنها كانت لظروف خاصة، تختزلها الأستادة "زهرة طموح " فيما يلي:" في دراسة قمنا بها كمحاولة لمقارنة الظروف التي سمحت بصعود ثلاث نساء إلى السلطة في تاريخ المغرب، وهن – إلى جانب للا خناثة—زينب النفزاوية والسيدة الحرة، تبين لنا أن القاسم المشترك بين ظرفية بروزهن هو توافقها، مع فترة أزمة، لذلك يبدو أن الأزمات تفتح المجال لبعض النساء ليخترقن جدار التغيب المفروض عليهن، إلا أنه من المؤكد أنه بمجرد انتهاء الأزمة ويغلق باب ولوجهن للشأن العام من جديد، ليتم سجنهن في المجال الخاص".
لم يتح للمرأة، الظهور على ساحة أحداث مغرب العصور الماضية والغير البعيدة، لطبيعة مجتمعه الذكوري ونظرته الإحتقارية للمرأة، لكن هذا العنصر الجوهري ظل ينشط ويناظل على جميع المستويات، ما مكنها من إنتزاع العديد من الحقوق في شتى مجالات الحياة، إلا أنها لم تستطع أن تنتشل ذاتها، وجنسها بشكل مرض من غياهب القهر والإستغلال، مهنيا، سياسيا وإجتماعيا. بل لازالت تعرف أوضاعا مأساوية. لأن عدم تكافئ الفرص بين الجنسين، ومسخ المعالم المميزة للحضارة المغربية المغيبة للمضمون الأمازيغي، من بين العوامل التي ساهمت بشكل قاطع في إعجاز قدرات هذه المرأة، على إستيعاب وإستساغة الأوساط الإجتماعية ولا الثقافية، فما بالك بالسياسية والحضارية؟.
وأشير إلى أن المغرب شهد مند أواخر السبعينات دينامية نسائية، أطرت نفسها في تنظيمات نسائية، إستمدت مشروعيتها ومبادئها الأولية، كونيا: من الموجات النسائية الغربية التي سبقتها إلى الثورة والتمرد على الأوضاع، ومحليا: من فضاءات ثقافية، حقوقية ونقابية، كانت قد أدرجت المطالب النسائية ضمن برامجها النضالية، وإن كان بشكل محتشم وغير كاف، وفي أحيان كثيرة بطابع مناسباتي. وبالرغم من أن هذه الإطارات الجديدة تبنت قضية المرأة بخصوصية صارمة، وركزت أهم نضالاتها على خلخلة النص القانوني المغربي، والعمل على جعله يطرح وضعية المرأة المغربية وخصوصا المرأة الأمازيغية، على مستوى الدستور ومدونة الأسرة، وكذا القوانين الأخرى: قانون الشغل، القانون التجاري، قانون العقود والإلتزامات. إلا أن هذه القوانين ولحد يومنا هذا، تعرف تضاربا بين بنودها، ينم عن عدم إعتمادها لرؤية واقعية لخصوصية الشعب المغربي، رؤية شاملة واضحة المعالم والأهداف.
في ظل الأنساق الثقافية السائدة المميزة لمجتمعاتنا المغربية، سواء الذكورية المكرسة لسلطة طبقية مضطهدة للمرأة، أو العروبية التي لا تؤمن بالثقافات المغايرة لها، هذه الأنساق التي تعمل جاهدة على فرض خطاباتها، لتشكيل نموذج من المواطن المستلب، والموجه وعيا وتصرفا. إستطاعت بعض النخب المثقفة والفاعلة، نساء ورجالا، أن تفرض نفسها على الساحة السياسية والثقافية بالمغرب، وتطرح إشكالية الهوية والإنتماء في إطارها الصحيح والواقعي، ببلاد ثمازغا، جغرافيا وثقافيا وحضاريا. إلا أن في ظل هذه الظروف، لازال الخطاب الإبداعي النسائي مهمشا ومغيبا، لطبيعة العقلية الناتجة عن مجتمع حامل للسمات التي تطرقنا إليها، مما يربك التواصل بين المرأة المغربية وخصوصا الأمازيغية المبدعة، وبين المتلقي، إن لم نقل أن هذا التواصل يكاد يكون منعدما.
لذا توجب على كل امرأة، واعية بخطورة المفاهيم الدخيلة على ثقافتها الأمازيغية، وكذا الضغوطات الاقتصادية وسمات التمييز بينها وبين أخيها الرجل على أساس الجنس، وأهمها التناقضات الإجتماعية، أن تعمل على إبراز مكامن الخلل والتناقض، داعية باستمرار إلى التنقيب والتشبث بالقيم والمعالم الأساسية التي تبرز أصالتها، كخطوة أولى لاستعادة الهوية الأمازيغية، لتحرير مبادراتها الإبداعية من الجمود والركون، والممارسات المتخلفة، سواء كانت من صميم تقاليدنا أو مستوردة.
وعندما أتحدث عن النضال من أجل الطرح النسائي وإنصافه، فلا أعني هنا بالضرورة خلق صراع بين الجنسين، فلا يتعلق الأمر بتطاحن بين العنصرين، لأن تنمية الإنسان والمجال لن تتحقق بإقصاء جنس لحساب الآخر، بل باتحادهما، والإتفاق على تصور يخدم وضعهما ككائنين بشريين وكذوات إنسانية. مستحضرين أن لكل أمة خصائصها ومكوناتها، ومناهضين لكل سياسات التدويب أو التمييع.
وللمرأة الأمازيغية المبدعة، مسؤولية إستنطاق صمت فئات واسعة من أدنى موضع في الهرم الإجتماعي، حيث أوسع مكوناته المؤنثة هي الأكثر عرضة للقهر والتهميش. كما أن لهذه المرأة تجارب حياتية صادقة وعلى جميع المستويات، تخول لها الإستقلال برؤاها وتطلعاتها الإنسانية المتشعبة. مسخرة لذلك كل القنوات الشرعية. على رأسها الفنون التعبيرية.
6ـ كائن رائع يتجول فينا دائما، الحسيمة، أين تتجلى رمزية هذه المدينة الأمازيغية في إبداعاتك التشكيلية؟
♀♀♀♀♀♀♀
Arif إنطلاقا من مغزى كلمات أغنية فناننا الأمازيغي/الريفي "بوعرفة أياون"، سأحاول أن أختصر دوافع وتجليات تلك البقعة الخزامية في أعمالي وفي كينونتي إجمالا، فكل إنسان تربطه علاقة حميمية بموطنه ومسقط رأسه، فما بالك المبدع بإنفعالاته التي تشده إلى ملاحظة جمالية الأشياء والقيم، مهما كانت بساطتها، فالحميمية تبزغ من الأعماق، من حيث مسرح الروح الذي يحتضن حالات وهواجس مختلفة، هذا حال كل مبدعي أوطان العالم، وهذه حاجة كل إنسان ليستقل بذاته، لاسيما إذا كان وطنه يعرف نوعا من لإحتلال، عسكريا، سياسيا كان أو ثقافيا. بمقدور هذه الأشكال الإستعمارية تقييد حرية الجسد لكنه ليس باستطاعتها إغتيال الحرية الفكرية للإنسان، وإن كان هذا لا يعفيه من الشعور بالإغتراب والضمور.
الحسيمة والريف، عموما هو الحاضنة الأم لوجداننا، ولذاكرتنا المكانية والزمنية بتنامي مستمر، يعززه نزوعنا الدموي والترابي، على حد قول القائل، "الأماكن هي مسامير الروح.. وأوتاد الذاكرة". فرمزية مدينة الحسيمة تتجلى في شرعية الإنتماء إلى جذور وفضاء معين ومميز، يفرض علينا مسؤولية الإلتزام بحدود جغرافية ومميزات ثقافية لها الأولوية على كل المستويات، فشعور رائع وعظيم يشملنا، ونحن في حضرة هذه المدينة بما تمثله لنا من وجوه شتى، أولها وأهمها، كونها تختزل معاني الأمومة التي سيظل حنيننا إليها نابضا، وحاجتنا لإراحة رؤوسنا على صدرها، مهما كبرنا وإشتدت جذوعنا.
7ـ غير بعيد عن الفن وضجيج ألونه الصاخبة، تعتبرين من مؤسسي "فرقة أراغي" للفن التشكيلي التي شعارها الأساسي تسخير الفن من أجل القضية الأمازيغية، هل بإمكانك أن تقربيننا أكثر من أهداف هذا الإطار الفني؟
♀♀♀♀♀♀♀
في شتاء سنة 2003، تلقيت دعوة من تنسيقة جمعية "تويــا للعمل النسائي بالحسيمة"، وجمعية "قدماء ثانوية مولاي علي الشريف بالحسيمة"، للمشاركة في معرض للوحات التشكيلية، والأواني الخزفية الريفية ومنتوجات من مادة الدوم المصنوع بالمنطقة، كانت مشاركتي هذه إلى جانب ثلاث فنانين آخرين (شيلا الزموري، ريحانة الموساوي، وكريم أمغار، بالإضافة إلى الأخ حسين أقلعي المهتم بالتراث)، حيث تعتبر هذه الفقرة جزء من البرنامج الذي سطر للإحتفاء باليوم العالمي للمرأة لتلك السنة.
هذا المعرض بمثابة حدث نوعي إستقطب العديد من المهتمين، وخصوصا المواهب الشابة وبعض الأساتذة المحترفين، وقد لاقى إقبالا ملحوظا، ونوقشت الأعمال المعروضة بحماس
