أرشيف القسم: ‘أمل دنقل’
لا تصالح
مَن قال “لا” في وَجْه مَن قال “نعمْ“
مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ
وقال “لا” فلم يمتْ وظلَّ روحًا أبديةَ الألمْ
***
مُعَلَّقٌ أنا على مشانقِ الصَّباحْ
وجبهتي – بالموتِ – مَحنيَّهْ
لأنني لم أَحْنِها… حَيَّهْ!
***
يا إخوتي الذينَ يعبُرون في الميدان مُطرِقينْ
مُنحدرين في نهايةِ المساءْ
في شارِع الإسكندرِ الأكبرْ
لا تخجلوا… ولترْفعوا عيونَكم إليّْ
لأنكم مُعلَّقونَ بجانبي… على مشانِق القيصَرْ
فلترفعوا عيونَكم إليّْ
لربما… إذا التقتْ عيونُكم بالموتِ في عَينَيّْ
يبتسمُ الفناءُ داخلي… لأنكمْ رفعتُم رأسَكمْ… مرَّهْ
سيزيفُ لم تعدْ على أَكتافِهِ الصَّخرهْ
يحملُها الذين يُولدونَ في مخادِع الرقيقْ
والبحرُ – كالصَّحراءِ – لا يروي العطَشْ
لأنَّ مَن يقولُ “لا” لا يرتوي إلاَّ مَن الدُّموعْ
… فلترفعوا عيونَكم للثائرِ المشنوقْ
فسوف تنتهونَ مثلَه… غدًا
وقبِّلوا زوجاتِكم – هنا – على قارعةِ الطريقْ
فسوف تنتهون هاهنا… غدًا
فالانحناءُ مُرٌّ
والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرِّجالِ ينسجُ الرَّدى
فقبِّلوا زوجاتِكم… إنِّي تركتُ زوجتي بلا وداعْ
وإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه على ذراعِها بلا ذراعْ
فعلِّموهُ الانحناءْ
علِّموهُ الانحناءْ
… … …
اللهُ… لم يغفرْ خطيئةَ الشيطانِ حين قال “لا“
والودعاءُ الطيبونْ
هم الذين يَرِثونَ الأرضَ في نهايةِ المدى
لأنهم… لا يُشنَقونْ
فعلِّموهُ الانحناءْ
… … …
وليس ثَمَّ من مَفَرٍّ
لا تحلُموا بعالَمٍ سعيدْ
فخلْفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ
وخلْفَ كلِّ ثائرٍ يموتُ: أحزانٌ بلا جدوى
ودمعةٌ سُدى
***
يا قيصرُ العظيم: قد أخطأتُ… إني أعترِفْ
دعني – على مِشنقتي – ألْثُمُ يَدَكْ
ها أنا ذا أقبِّل الحبلَ الذي في عُنقي يلتفُّ
فهو يداكَ، وهو مجدُك الذي يجِبرُنا أن نعبُدَكْ
دعني أُكَفِّرْ عنْ خطيئتي
أمنحكَ – بعد ميتتي – جُمْجُمَتي
تصوغُ منها لكَ كأسًا لشرابِك القويِّ
… فإن فعلتَ ما أريدْ
إنْ يسألوكَ مرةً عن دَمِيَ الشهيدْ
وهل تُرى منحتَني “الوجودَ” كي تسلُبَني “الوجودْ“
فقلْ لهم: قد ماتَ… غيرَ حاقدٍ عليَّ
وهذه الكأسُ – التي كانتْ عظامُها جمجمتَه –
وثيقةُ الغُفرانِ لي
يا قاتلي: إني صفحتُ عنكْ
في اللَّحظةِ التي استرحتَ بعدَها منِّي
استرحتُ منكْ
لكنني… أوصيكَ – إنْ تشأْ شنقَ الجميع –
أن ترحمَ الشجرْ
لا تقطعِ الجُذوعَ كي تنصبَها مشانق
لا تقطعِ الجُذوعْ
فربما يأتي الرَّبيعُ
“والعامُ عامُ جوعْ“
فلن تشمَّ في الفرُوعِ… نكهةَ الثَّمرْ
وربما يمرُّ في بلادِنا الصَّيفُ الخَطِِرْ
فتقطع الصحراء… باحثًا عن الظِّلالْ
فلا ترى سوى الهجيرِ والرِّمالِ والهجيرِ والرمالْ
والظمأِ الناريِّ في الضُّلوع
يا سيدَ الشواهدِ البيضاء في الدُّجى
***
يا إخوتي الذينَ يَعْبُرونَ في الميدان في انحِناءْ
منحدرينَ في نهايةِ المساءْ
لا تحلُموا بعالَمٍ سَعيدْ
فخلْفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ
وإن رأيتمْ في الطَّريق هانيبالْ
فأخبروه أنني انتظرتُه مدًى على أبوابِ روما المُجهدهْ
وانتظرتْ شيوخُ روما – تحت قوسِ النَّصر – قاهرَ الأبطالْ
ونسوةُ الرومان بين الزِّينةِ المُعربدهْ
ظَلَلْنَ ينتظِرْن مَقْدَمَ الجنودْ
ذوي الرؤوسِ الأطلسية المجعَّدهْ
لكن هانيبال ما جاءتْ جنودُه المجنَّدهْ
فأخبروه أنني انتظرتُهُ… انتظرتُهُ
لكنهُ لم يأتِ
وأنني انتظرتُهُ… حتى انتهيتُ في حبالِ الموتِ
وفي المدى: قرطاجةُ بالنار تَحترقْ
قرطاجةُ كانتْ ضميرَ الشمسِ: قد تعلَّمتْ معنى الرُّكوع
والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرجال
والكلماتُ تَختنقْ
يا إخوتي: قرطاجةُ العذراءُ تحترقْ
فقبِّلوا زوجاتِكم
إني تركتُ زوجتي بلا وَداعْ
وإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه على ذراعها… بلا ذِراعْ
فعلِّموهُ الانحناءْ
علِّموهُ الانحناءْ
علِّموهُ الانحِناءْ
(1)
لا تصالحْ !
.. ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي - بين عينيك - ماءً ؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب ؟
إنها الحربُ !
قد تثقل القلبَ ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ ..
ولا تتوخَّ الهرب !
(2)
لا تصالح على الدم .. حتى بدم !
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك ؟!
أعيناه عينا أخيك ؟!
وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك ؟
سيقولون :
جئناك كي تحقن الدم ..
جئناك . كن - يا أمير - الحكم
سيقولون :
ها نحن أبناء عم.
قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر ..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك “اليمامة“
زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا -
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها - وهي ضاحكةٌ -
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن .. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها - ذات يوم - أخٌ !
من أبٍ يتبسَّم في عرسها ..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها ..
وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة ..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا .. فجأةً ،
وهي تجلس فوق الرماد ؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ..؟
وكيف تصير المليكَ ..
على أوجهِ البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف ؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم - الآن - صار وسامًا وشارة
لا تصالح ،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك : سيفٌ
وسيفك : زيفٌ
إذا لم تزنْ - بذؤابته - لحظاتِ الشرف
واستطبت - الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
” .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام ..”
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟
كيف تنظر في عيني امرأة ..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام
- كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر - بين يديك - بقلب مُنكَّس ؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس ..
واروِ أسلافَكَ الراقدين ..
إلى أن تردَّ عليك العظام !
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن “الجليلة“
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي - لمن قصدوك - القبول
سيقولون :
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ - الآن - ما تستطيع :
قليلاً من الحق ..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة !
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .
لم أكن غازيًا ،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: “انتبه” !
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ !
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي - كفقاعة - وانفثأ !
وتحاملتُ ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ : ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجة الأهل - صوتُ الحصان - التعرف بالضيف - همهمة القلب حين يرى برعمًا في الحديقة يذوي - الصلاة لكي ينزل المطر الموسمي - مراوغة القلب حين يرى طائر الموت وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًّا
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة !
(9)
لا تصالح
ولو وَقَفَت ضد سيفك كلُّ الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين يحبون طعم الثريد
وامتطاء العبيد
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم،
وسيوفهم العربية، قد نسيتْ سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك .. المسوخ !
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ
أمل دنقل




